محمد بن عبد المنعم الحميري

23

الروض المعطار في خبر الأقطار

وركبها ثم سار راجعاً يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن ، فأظهر ما كان معه ، وأعلم الناس أمره وما كان من قصته ، وباع بعض اللؤلؤ ، وكان ذلك اللؤلؤ قد اصفر وتغير من طول كرور الأيام والليالي عليه ، فلم يزل أمر ذلك الرجل ينمي ويخرج حتى بلغ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، فأرسل رسولاً وكتب إلى صاحب صنعاء يأمره بالبعثة بالرجل إليه يسأله عما كان من أمره ، فخرج به رسول معاوية رضي الله عنه من اليمن حتى قدم به الشام ، فأمر صاحب صنعاء الرجل أن يخرج معه ببعض ما جاء به من متاع تلك المدينة ، فسار الرجل ورسول معاوية رضي الله عنه معه حتى قدم على معاوية رضي الله عنه ، فخلا به معاوية رضي الله عنه وساءله عما رأى وعاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها شيئاً فشيئاً ، فأعظم ذلك معاوية رضي الله عنه وأنكر ما حدثه به وقال : ما أظن ما قلته حقاً ، فقال الرجل : عندي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها ، قال : ما هو قال : لؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ، فقال له معاوية رضي الله عنه ، هات حتى أراه ، فأراه لؤلؤاً أصفر من أعظم ما يكون من اللؤلؤ وأراه تلك البنادق فشمه معاوية رضي الله عنه فلم يجد له ريحاً فدق بندقة من تلك البنادق فسطع ريحها مسكاً وزعفراناً ، فصدقه معاوية رضي الله عنه عند ذلك ، وقال : كيف لي أن أعلم ما اسم هذه المدينة ومن بناها ولمن كانت ، فوالله ما أعطي أحد مثل ما أعطي سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، وما ملك سليمان مثل هذه المدينة ، فقال بعض جلساء معاوية رضي الله عنه : إنك لن تجد خبر هذه المدينة عند أحد من أهل الدنيا في زماننا هذا إلا عند كعب الأحبار ، فإن رأيت أن تبعث إليه وتأمر أن يغيب هذا الرجل عنه فإنه سيخبر بأمرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها ، لأن مثل هذه المدينة على مثل هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها إلا أن يكون قد سبق في الكتاب دخوله إياها ، فابعث إلى كعب فإنه لم يخلق الله عز وجل أحداً على ظهر الأرض أعلم منه ، ولا شيء مضى من الدهر ولا يكون بعد اليوم إلا وهو في التوراة مفسراً منصوباً معروفاً مكانه ، فليبعث إليه أمير المؤمنين فإنه سيجد خبرها عنده ، قال : فأرسل معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأحبار فأتاه ، فلما أتاه قال له معاوية رضي الله عنه : يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك ، قال كعب : على الخبير سقطت فسلني عما بدا لك ، قال : أخبرني يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة وعمدها زبرجد وياقوت ، وحصباء قصورها وغرفها لؤلؤ فيها جناتها وأنهارها في الأزقة تجري تحت الأشجار ؟ قال كعب : والذي نفسي بيده لقد ظننت أني لأتوسد يميني قبل أن يسألني أحد عن تلك المدينة وما فيها ولمن هي ، ولكن أخبرك بها ولمن هي ومن بناها ، أما تلك المدينة فهي حق على ما بلغك ووصف لك ، وأما صاحبها الذي بناها فشداد بن عاد ، وأما المدينة فإرم ذات العماد التي وصف الله عز وجل في كتابه المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " التي لم يخلق مثلها في البلاد " ، وهي كما وصف لك لم يبن مثلها في البلاد ، قال معاوية رضي الله عنه : يا أبا إسحاق حدثني حديثها يرحمك الله ، قال : أخبرك أن عاداً الأولى ليس عاد قوم هود ، ولكن عاد الأولى إنما هود وقوم هود ولد لذلك ، فكان عاد له ابنان أحدهما شديد والآخر شداد ، فهلك عاد فبغيا وتجبرا ، وملكا فقهرا البلاد وأخذا أهلها عنوة وقهرا حتى دان لهما جميع الناس ، ولم يبق أحد من الناس في زمانهما إلا وهو في طاعتهما لا في مشرق الأرض ولا في مغربها ، وأنه لما صفا لهما ذلك وقر قرارهما مات شديد بن عاد وبقي شداد وحده لم ينازعه أحد ، ودانت له الدنيا كلها بأجمعها ، وكان مولعاً بقراءة الكتب الأول وكلما مر فيها بذكر الجنة وما يسمع ما هو فيها من البنيان والياقوت واللؤلؤ دعته نفسه إلى أن يفعل تلك الصفة ، فلما قر ذلك في لبه أمر بصنعة تلك المدينة وأمر على صنعتها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان ، ثم قال : انطلقوا إلى أطيب بلاد الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد ، وعلى المدينة قصور ، ومن فوق تلك القصور غرف ، واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت الأشجار ، فإني أستمع في الكتاب صفة الجنة فأحب أن أجعل مثالها في الدنيا أتعجل سكناها ، فقال له قهارمته وكانوا مائة قهرمان : كيف لنا أن نقدر على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة ينبني منه مدينة من المدائن كما وصفت لنا ، ومتى نقدر على هذا الذهب كله وهذه الفضة ؟ فقال لهم شداد : أليس تعلمون أن ملك الدنيا كله بيدي ؟ قالوا : بلى ، قال : فانطلقوا إلى كل معدن من معادن الزبرجد والياقوت أو بحر فيه لؤلؤ أو معدن ذهب أو معدن فضة قوم رجلاً يخرج لكم ما كان من كل معدن في تلك البلاد ، ثم انظروا إلى ما كان في أيدي الناس فخذوه سوى ما يأتيكم به